آخر تحديث الساعة 20:46 (بتوقيت مكة المكرمة)

إلى الواقف على قبرها..!

الاثنين 09 جمادى الأولى 1438 الموافق 06 فبراير 2017
إلى الواقف على قبرها..!
 

 

  سيدي الوالد ..الواقف على قبرها:  

 كما كنتَ تقف معلّماً حكيماً تلوّح بيدك الطيبة للحضور ذات محاضرة هناك أو هناك.. في كل القارات عبر كل وسائل التقنية المتاحة التي تصلها اليد، حيث الألوف التي تستمع، وحيث الناس التي تحفّ بك حيثما حللت، وتقف معك حيثما أنت، وتحيط بك تدعوا لك وتدعوك، وتستقي أثراً نبوياً هنا، وعادةً حكيمة هناك، ودرساً في العلم والمعرفة حيناً، وفي الحياة والتجربة حيناً آخر.. 

ها أنت تقف مرّة أخرى، لكن على قبر حبيب فقيد (رحمهم الله جميعاً رحمة واسعة) فتلقي درساً آخر، درساً لم تنبس فيه ببنت شفة، لكنه ضجيج الصمت الذي يفيض بالمعنى الروحي.. حين يكون المعلّم واقفاً.. فيعلّم الموقف.. وصابراً ذاكراً فيلقي درساً صلباً في قيمة الحياة، ومعنى الحب، وعلاقة الأبوة..  

فها نحن أبناؤك نتعلم منك كل مرّة.. درساً مكتوباً أو مسموعاً أو مرئياً، ودرساً آخر نعجز عن كتابته أو سماعه.. حتى تلهمنا به.. فسبحان من بضروب العلم والتعليم حلّاك.. 

 

سيدي الوالد.. الواقف على قبرها:  

مع كل الطبقات والفئات التي نالها أثرك، ولكل الناس التي سمعت لك صوتاً، وقرأت لك حرفاً، وغنّت لك بيتاً، فعلمٌ يؤثر، وسندٌ يروى، وقصة تُحكى، وقصيدة تُنشد.. 

ومع كل المحبين الذين يرون فيك ضالّة حالّة.. ويرون في خطابك اتصالاً بقلوبهم وعقولهم .. 

ومع كل المختلفين الذين وجدوا فيك جمال الاختلاف، وعقل الائتلاف..   

مع الآلاف المؤتلفة والمختلفة التي دعت وعزت وأثنت وذكرت وتعاطفت وسلمت وصلّت..  

مع الآخرين الذين لا نعلمهم والله يعلمهم يدعون ويصلّون..  

كل واحد منهم يكتب شهادته.. فسيدنا جميعاً وفقيدنا الأعظم (محمد صلى الله عليه وسلم) قال "أنتم شهداء الله في الأرض".  

  

سيدي الوالد ..الواقف على قبرها:  

أين الأحبة ما بيني وبينهمُ ... لجّ البحار وأطراف القنا السلبِ 

عزّ اللقاء فلا لقيا ولا نظر.. ولا حديث على بعد ولا قربِ 

تلك الأبيات الراقصة وشقيقاتها عن الغربة والوجع لعصام العطار، سمعتُها منك وحفظتُها صغيراً .. وكذلك كنتم من قبل..  

ومن آخر أبياتها ذلك المعنى الذي ألهمتنا أياه: 

ربي لك الحمد لا أحصي الجميل إذا... نفثتُ يوماً شكاة القلب في كُربِ 

لك الحياة كما ترضى بشاشتها... بما تحبّ وإن باتت على غضبِ 

رضيتُ في حبك الأيام جائرة ... فعلقم الدهر إن أرضاك كالضربِ 

فاللهم لك الحمد.. على البلاء والعطاء..  

 

سيدي الوالد.. الواقف على قبرها:  

أعمالها الطيبة، وأعمالهم جميعاً تلهج بها الناس، وإحسانها بان في غيابة الجب.. كما كان في حضرة الحب.. فسبَقَتنا جميعاً لضيافة الله.. فأي كرمٍ نريد أن نحصرها به في هذه الدنيا التافهة.. وهي وأخي الصالح (هشام) و(أسماء الشعلان) لدى أكرم الأكرمين سبحانه وتعالى. 

ولن نقول كما قال التهامي (جاورت أعدائي)، ولكنا جاورنا المحبين في الدنيا.. بيد أن هيا وهشام وأسماء جاوروا الله، فهل بعد هذا المجد شيء أو خلف هذا الجمال مقام؟! 

 

 

سيدي الوالد.. الواقف على قبرها:  

لوكنتُ سأروي قصة ذات فصول لفعلت، أو لاختصر سيرة ممتدة لقلت، ولكن في دروس الحياة منكم قالب أنتم روحه النابضة، وسجلّ من الإنسانيات لا يكتبه إنسان، وقصائدٌ من الجمال والحكمة والصبر لا تحكمها قوانين الوزن والقافية! 

وكتابة لدنّية.. لا تحتاج لرياضة ومراس.. وكلهم من رسول الله مقتبسٌ.. غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ، ورسولنا يذكّرنا بفقدنا له حين يقول : 

"إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب"، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. 

 

اللهم ارحم هؤلاء فإنهم عندك، وأنت أرحم الراحمين: ارحمهم برحمتك الواسعة وبلغهم نعيمك الذي لا ينفد، واجمعنا بهم في مقعد صدق عندك، واجعلنا من الذي آمنوا فألحقت بهم ذريتهم.. مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.. 

رحم الله موتانا وموتى المسلمين، وشفى مرضانا ومرضى المسلمين، وألهمك -سيدي الوالد- الصبر والسلوان.  

 

 

تعليقات الفيسبوك

الآراء المنشورة لاتعبر عن رأي موقع الإسلام اليوم أو القائمين عليه.
علما بأن الموقع ينتهج طريقة "المراجعة بعد النشر" فيما يخص تعليقات الفيسبوك ، ويمكن إزالتها في حال الإبلاغ عنها من قبل المستخدمين من هنا .
مساحة التعليق تتسع لمناقشة الأفكار في جو من الاحترام والهدوء ونعتذر عن حذف أي تعليق يتضمن:
  • - الهجوم على أشخاص أو هيئات.
  • - يحتوي كلمة لا تليق.
  • - الخروج عن مناقشة فكرة المقال تحديداً.

التعليقات

تعليقات الإسلام اليوم

 

تبقى لديك حرف